الشيخ محمد آصف المحسني
200
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
أحد المقدورين لذاتها . وعن الكعبي : أنّها في فعله علمه بما في الفعل من المصلحة . وعن البلخي : أنّها فيه إيجاده ، وأما في أفعال غيره فقالا : إنها أمره بها . وعن ضرار : كونه تعالى مريدا ، نفس ذاته . وعن الكرامية : أنها حدثة قائمة به تعالى . وعن الجبائية : أنها حادثة لا في محلّ . وعن الحسين النجار معنى مريديته كونه غير مغلوب ولا مكره . فهذه أقوال تسعة ، لكن الثاني يرجع إلى الأول ؛ إذ لا فرق بينهما من جهة أن التأثير من العلم بالأصلح ، وإنّما يفترقان في أن الأصلح المذكور هل هو علّة غائية لفعله تعالى كما يقوله المتكلّمون ، أو لا بل العلة الغائبة هو نفس ذاته المقدّسة دون سواها ؟ فإنّ العلي لا يقصد لأجل السافل كما يتوهّمه الفلاسفة . وبكلمة واضحة : الاختلاف بينهما في العلّة الغائية دون العلّة الفاعلية التي هي المبحوث عنها في المقام ، فما به التخصيص وعنه التأثير هو علمه تعالى بالأصلح على كلا القولين ، فافهم جيّدا . وأمّا القول الثالث فهو مبني على أصل فاسد وهو زيادة صفاته تعالى وقدمها ، فإذا هدمناه - كما يأتي في المقصد الرابع إن شاء اللّه - ينهدم القول المذكور ، نعم يحتمل أن تكون الإرادة بلا رجوعها إلى العلم وغيره من الصفات الذاتية على نحو العينية ، وهذا يحتاج إلى جواب آخر وسيأتي بحثه . وأما نقل عن ضرار فهو مجمل إلّا أن يرجع إلى القول الأول . ومن رواية سليمان المروزي المنقولة في توحيد الصدوق يظهر أن له قولا آخر نسب إليه . وأما القول الرابع فهو أيضا راجع إلى الثاني ، وتفسيره إرادة اللّه المتعلّقة بأفعلنا بالأمر إمّا من جهة إبطال شبهة الجبر ، وإما للإشارة إلى تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية ؛ وبه يظهر حال تفصيل القول الخامس أيضا فإنّه قول بحدوث إرادته تعالى وإنه نفس الإيجاد ، وحيث إنّ إيجاده أفعال غيره غير معقول وإلّا كانت الافعال أفعاله لا افعال غيره ، فسّرها بالأمر بها . وأمّا القول السابع فأورد عليه أنّه مستلزم لكونه تعالى محلّا للحوادث . وأمّا الثامن فردّ باستحالة صفة لا في محلّ فينتقص به حدّ الجوهر والعرض . هذا وأوردوا على القولين معا لزوم التسلسل في الإرادات ، فإن الإرادة حادثة وكلّ حادث لا بدّ له من إرادة ، وهذا ظاهر . وأما القول الأخير فهو تعريف للإرادة بلوازمها لا بنفسها . فالمتحصّل أن ما يصحّ تفسير إرادته تعالى به أمور ثلاثة :